الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

288

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بفعل المخادع جزءا وفاقا . فإطلاق الخداع على استدراج اللّه إيّاهم استعارة تمثيلية ، وحسنتها المشاكلة ؛ لأنّ المشاكلة لا تعدو أن تكون استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ المستعار . فالمشاكلة ترجع إلى التلميح ، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقة بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلّا محاكاة اللفظ ، سميّت مشاكلة كقول أبي الرقعمق . قالوا : اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت : أطبخوا لي جبّة وقميصا و « كسالى » جمع كسلان على وزن فعالى ، والكسلان المتّصف بالكسل ، وهو الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية . والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها ، فلذلك كان من شيم المنافقين . ومن أجل ذلك حذّرت الشريعة من تجاوز حدّ النشاط في العبادة خشية السآمة ، ففي الحديث « عليكم من الأعمال بما تطيقون فإنّ اللّه لا يملّ حتّى تملّوا » . ونهى على الصلاة والإنسان يريد حاجته ، وعن الصلاة عند حضور الطعام ، كلّ ذلك ليكون إقبال المؤمن على الصلاة بشره وعزم ، لأنّ النفس إذا تطرّقتها السآمة من الشيء دبّت إليها كراهيته دبيبا حتّى تتمكّن منها الكراهية ، ولا خطر على النفس مثل أن تكره الخير . و « كسالى » حال لازمة من ضمير ( قامُوا ) ، لأنّ قاموا لا يصلح أن يقع وحده جوابا ل « إذا » التي شرطها « قاموا » ، لأنّه لو وقع مجرّدا لكان الجواب عين الشرط ، فلزم ذكر الحال ، كقوله تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] وقول الأحوص الأنصاري : فإذا تزول تزول عن متخمّط * تخشى بوادره على الأقران وجملة يُراؤُنَ النَّاسَ حال ثانية ، أو صفة ل ( كسالى ) ، أو جملة مستأنفة لبيان جواب من يسأل : ما ذا قصدهم بهذا القيام للصلاة وهلّا تركوا هذا القيام من أصله ، فوقع البيان بأنّهم يراءون بصلاتهم الناس . و يُراؤُنَ فعل يقتضي أنّهم يرون الناس صلاتهم ويريهم الناس . وليس الأمر كذلك ، فالمفاعلة هنا لمجرد المبالغة في الإراءة ، وهذا كثير في باب المفاعلة . وقوله : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا معطوف على يُراؤُنَ إن كان يُراؤُنَ حالا أو صفة ، وإن كان يُراؤُنَ استئناف فجملة وَلا يَذْكُرُونَ حال ، والواو واو الحال ، أي : ولا يذكرون اللّه بالصلاة ألّا قليلا . فالاستثناء إمّا من أزمنة الذكر ، أي إلّا